أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
172
العقد الفريد
صلّى اللّه عليه وسلم ؛ فإن الصلاة عليه مقبولة ، واللّه أكرم من أن يقبل بعض دعائك ويردّ بعضا . وقال سعيد بن المسيب : كنت جالسا بين القبر والمنبر ، فسمعت قائلا يقول : اللهم إني أسألك عملا بارّا ، ورزقا دارّا ، وعيشا قارّا . فالتفتّ فلم أر أحدا . لعائشة في النبي صلّى اللّه عليه وسلم : هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت : كنت نائمة مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ليلة النصف من شعبان ، فلما لصق جلدي بجلده أغفيت ؛ ثم انتبهت ، فإذا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ليس عندي ؛ فأدركني ما يدرك النساء من الغيرة ، فلففت مرطي « 1 » - أما واللّه ما كان خزّا ولا قزّا ، ولا ديباجا ، ولا قطنا ولا كتانا ، قيل : فما كان يا أمّ المؤمنين ؟ قالت : كان سداه من شعر ، ولحمته من أوبار الإبل - قالت : فحنوت عليه أطلبه حتى ألفيته كالثوب الساقط على وجهه في الأرض وهو ساجد يقول في سجوده : « سجد لك خيالي وسوادي ، وآمن بك فؤادي ؛ هذه يدي وما جنيت بها على نفس . ترجى لكلّ عظيم ، فاغفر لي الذنب العظيم » فقلت : بأبي أنت وأمي يا رسول اللّه ، إنك لفي شأن وإني لفي شأن . فرفع رأسه ثم عاد ساجدا فقال : « أعوذ بوجهك الذي أضاءت له السماوات السبع والأرضون السبع ، من فجأة نقمتك ، وتحوّل عافيتك ؛ ومن شر كتاب قد سبق ؛ وأعوذ برضاك من سخطك ، وبعفوك من عقوبتك ، وبك منك ، لا أحصى ثناء عليك ، أنت كما أثنيت على نفسك » . فلما انصرف من صلاته تقدمت أمامه حتى دخلت البيت ولي نفس عال ، فقال : مالك يا عائشة ؟ فأخبرته الخبر ، فقال : ويح هاتين الركبتين ما لقيتا في هذه الليلة ! ومسح عليهما ؛ ثم قال : أتدرين أي ليلة هذه يا عائشة ؟ فقلت : اللّه ورسوله أعلم . فقال صلّى اللّه عليه وسلم : « هذه الليلة ليلة النّصف من شعبان ، فيها تؤقت الآجال وتثبت الأعمال » .
--> ( 1 ) المرط : كساء من خز أو صوف أو كتان يؤتزر به .